فخر الدين الرازي
120
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الْعَظِيمُ عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ، ودرجة عالية . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 90 ] وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 90 ) اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين الذين كانوا في المدينة ابتدأ في هذه الآية بشرح أحوال المنافقين من الأعراب في قوله : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ وقال : لعن اللّه المعذرين ، وذهب إلى أن المعذر هو المجتهد الذي له عذر ، والمعذر بالتشديد الذي يعتذر بلا عذر . والحاصل : أن المعذر هو المجتهد البالغ في العذر ، ومنه قولهم : قد أعذر من أنذر ، وعلى هذه القراءة فمعنى الآية : أن اللّه تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين ، فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر . قيل : هم أسد وغطفان . قالوا : إن لنا عيالا وإنا بنا جهدا فائذن لنا في التخلف . وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل ، قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيء علينا ، فأذن رسول اللّه لهم . وعن مجاهد : نفر من غطفان اعتذروا . والذين قرءوا الْمُعَذِّرُونَ بالتشديد وهي قراءة العامة فله وجهان من العربية . الوجه الأول : ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري : وهو أن الأصل في هذا اللفظ المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين ، وأبدلت الذال من التاء ، وأدغمت في الذال التي بعدها ، فصارت التاء ذالا مشددة . والاعتذار قد يكون بالكذب ، كما في قوله تعالى : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ [ التوبة : 94 ] فبين كون هذا الاعتذار فاسدا بقوله : قُلْ لا تَعْتَذِرُوا وقد يكون بالصدق كما في قول لبيد : ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر يريد فقد جاء بعذر صحيح . الوجه الثاني : أن يكون الْمُعَذِّرُونَ على وزن قولنا : مفعلون من التعذير الذي هو التقصير . يقال : عذرا تعذيرا إذا قصر ولم يبالغ . يقال : قام فلان قيام تعذير ، إذا اسكتفيته في أمر فقصر فيه ، فإن أخذنا بقراءة الخفيف ، كان الْمُعَذِّرُونَ كاذبين . وأما إن أخذنا بقراءة التشديد ، وفسرناها بالمعتذرين ، فعلى هذا التقدير : يحتمل أنهم كانوا صادقين وأنهم كانوا كاذبين ، ومن المفسرين من قال : المعذرون كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعدهم : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فلما ميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا بكاذبين . وروى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو : أنه لما قيل له هذا الكلام قال : إن أقواما تكلفوا عذرا بباطل ، فهم الذين عناهم اللّه تعالى بقوله : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبهة عذر جراءة على اللّه تعالى ، فهم المرادون بقوله : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ والذي قاله أبو عمرو محتمل ، إلا أن الأول أظهر . وقوله : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وهم منافقو الأعراب الذين ما جاءوا وما اعتذروا ، وظهر بذلك أنهم كذبوا اللّه ورسوله في ادعائهم الإيمان . وقرأ أبي كذبوا بالتشديد سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار ، وإنما قال : مِنْهُمْ لأنه تعالى كان عالما بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص عن هذا العقاب ، فذكر لفظة من الدالة على التبعيض . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 91 إلى 92 ] لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ( 92 )